سيد قطب

3663

في ظلال القرآن

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن حذيفة قال : سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « لا يدخل الجنة قتات » أي نمام ( ورواه الجماعة إلا ابن ماجة ) . وروى الإمام أحمد كذلك - بإسناده - عن يزيد بن السكن . أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « ألا أخبركم بخياركم ؟ » قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « الذين إذا رأوا ذكر اللّه عزّ وجل » ثم قال : « ألا أخبركم بشراركم ؟ المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة ، الباغون للبرآء العيب » . ولم يكن بد للإسلام أن يشدد في النهي عن هذا الخلق الذميم الوضيع ، الذي يفسد القلب ، كما يفسد الصحب ، ويتدنى بالقائل قبل أن يفسد بين الجماعة ، ويأكل قلبه وخلقه قبل أن يأكل سلامة المجتمع ، ويفقد الناس الثقة بعضهم ببعض ، ويجني على الأبرياء في معظم الأحايين ! وهو مناع للخير . . يمنع الخير عن نفسه وعن غيره . ولقد كان يمنع الإيمان وهو جماع الخير . وعرف عنه أنه كان يقول لأولاده وعشيرته ، كلما آنس منهم ميلا إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشيء أبدا . فكان يمنعهم بهذا التهديد عن الإسلام . ومن ثم سجل القرآن عليه هذه الصفة « مناع للخير » فيما كان يفعل ويقول . وهو معتد . . متجاوز للحق والعدل إطلاقا . ثم هو معتد على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى المسلمين وعلى أهله وعشيرته الذين يصدهم عن الهدى ويمنعهم من الدين . . والاعتداء صفة ذميمة تنال من عناية القرآن والحديث اهتماما كبيرا . . وينهى عنها الإسلام في كل صورة من صورها ، حتى في الطعام والشراب : « كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ » . . لأن العدل والاعتدال طابع الإسلام الأصيل . وهو أثيم . . يرتكب المعاصي حتى يحق عليه الوصف الثابت . « أَثِيمٍ » . . بدون تحديد لنوع الآثام التي يرتكبها . فاتجاه التعبير إلى إثبات الصفة ، وإلصاقها بالنفس كالطبع المقيم ! وهو بعد هذا كله « عُتُلٍّ » . . وهي لفظة تعبر بجرسها وظلها عن مجموعة من الصفات ومجموعة من السمات ، لا تبلغها مجموعة ألفاظ وصفات . فقد يقال : إن العتل هو الغليظ الجافي . وإنه الأكول الشروب . وإنه الشره المنوع . وإنه الفظ في طبعه ، اللئيم في نفسه ، السيّئ في معاملته . . وعن أبي الدرداء رضي اللّه عنه : « العتل كل رغيب الجوف ، وثيق الخلق ، أكول شروب ، جموع للمال ، منوع له » . . ولكن تبقى كلمة « عتل » بذاتها أدل على كل هذا ، وأبلغ تصويرا للشخصية الكريهة من جميع الوجوه . وهو زنيم . . وهذه خاتمة الصفات الذميمة الكريهة المتجمعة في عدو من أعداء الإسلام - وما يعادي الإسلام ويصر على عداوته إلا أناس من هذا الطراز الذميم - والزنيم من معانيه اللصيق في القوم لا نسب له فيهم ، أو أن نسبه فيهم ظنين . ومن معانيه ، الذي اشتهر وعرف بين الناس بلؤمه وخبثه وكثرة شروره . والمعنى الثاني هو الأقرب في حالة الوليد بن المغيرة . وإن كان إطلاق اللفظ يدمغه بصفة تدعه مهينا في القوم ، وهو المختال الفخور . ثم يعقب على هذه الصفات الذاتية بموقفه من آيات اللّه ، مع التشنيع بهذا الموقف الذي يجزي به نعمة اللّه عليه بالمال والبنين : « أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ » . . وما أقبح ما يجزي إنسان نعمة اللّه عليه بالمال والبنين ؛ استهزاء بآياته ، وسخرية من رسوله ، واعتداء على دينه . . وهذه وحدها تعدل كل ما مر من وصف ذميم .